السيد حيدر الآملي

386

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ربّه أن يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح اللَّه ذلك الباب ، فيأذن في الشفاعة للملائكة والرسل والأنبياء والمؤمنين فبهذا يكون سيّد النّاس يوم القيامة ، وأنّه شفع عند اللَّه أن تشفع الملائكة والرسل » . ومع هذا تأدب صلَّى اللَّه عليه وآله وقال : أنا سيّد الناس ، ولم يقل : سيّد الخلائق ، فتدخل الملائكة في ذلك مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع ، وذلك أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم السّلام كلَّهم ولم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليه السّلام من اختصاصه بعلم الأسماء كلَّها ، فإذا كان في ذلك اليوم افتقر إليه الجميع من الملائكة والنّاس ، من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة وإظهار ماله من الجاه عند اللَّه إذ كان القهر الإلهي ، والجبروت الأعظم قد أخرس الجميع ، وكان هذا المقام مثل مقام آدم عليه السّلام في يوم اشتدّت الحاجة فيه مع ما ذكر من الغضب الإلهي الَّذي تجلَّى فيه الحقّ في ذلك اليوم ولم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى من قصّة آدم فدلّ بالمجموع على عظيم قدره صلَّى اللَّه عليه وآله حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبيّة الإلهيّة على مناجاة الحقّ فيما سئل فيه ، فأجابه الحقّ سبحانه فعلَّقت الموازين ونشرت الصحف ونصب الصراط وبدئ بالشفاعة ، فأوّل ما شفعت الملائكة ثمّ النبيّون ثمّ المؤمنون ، وبقي أرحم الراحمين ( 194 ) ، وهنا تفصيل عظيم

--> ( 194 ) قوله : وبقي أرحم الراحمين . أخرج البخاري في الصحيح ج 9 ص 798 ، باب 1218 قوله اللَّه تعالى : * ( وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) * ، الحديث 2239 ، بإسناده عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في حديث طويل في بيان نجاة من كان يعبد اللَّه من برّ أو فاجر في يوم القيامة ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « وإذا رأوا أنّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون : ربّنا إخواننا الذين كانوا يصلَّون معنا ، ويصومون معنا ، فيقول اللَّه تعالى : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ، ويحرّم اللَّه صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثمّ يعودون ، فيقول : أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا ، ثمّ يعودون ، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا . قال أبو سعيد : فإن لم تصدّقوني فاقرؤا : * ( إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ) * [ النساء : 40 ] . فيشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبّار : بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له : ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبّة في حميل السيل . . . فيخرجون كأنّهم اللؤلؤ ، فيجعل في رقابهم الخواتيم ، فيدخلون الجنّة ، فيقول أهل الجنّة هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم ومثله معه » .